May 09

هل يوجد خصوصية سعودية؟

الشعب السعودي له خصوصية. ما هي تحديدا؟ لا أدري. أعتقد إجمالا، ترتكز هذه الخصوصية على احتضان الحرمين الشريفين، التمسك بالدين الإسلامي ممزوجا ببعض العادات والتقاليد، بالإضافة إلى الوحدة الوطنية والبترول. فهي خصوصية ثقافية/اقتصادية نوعا ما تشكل النسيج الوطني والهوية السعودية. السؤال المهم: هل السعودية هي الدولة الوحيدة في العالم التي لديها خصوصية؟

 أسأل لأن الخصوصية السعودية، بشكل معلن أو غير معلن، أضحت شماعة للكثير من التسويف والتعطيل، في الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية والتطور الاجتماعي. على سبيل المثال، نتحدث عن الخصوصية السعودية عندما تتكلم إحداهن عن قيادة المرأة للسيارة، وكذلك، نتحدث عن الخصوصية السعودية عندما نتحدث عن انتخابات بلدية، وأخيرا نتحدث عنها عندما يأتي موضوع اقتصادي يأتي من خلاله بعض رؤوس الأموال الأجنبية. باختصار، الخصوصية السعودية تحاصرنا من كل جهة.

نعود إلى السؤال، هل السعودية هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمتلك شعبها خصوصية؟ باختصار، لأ. على سبيل المثال، الياباني يعتقد بأن له خصوصية كونه كان ضحية أول هجوم نووي وناضل وكافح من أجل بناء دولته وكان له تاريخ عريق حكم فيه الكثير من الدول التي تجاوره. في أمريكا، يتحدث الساسة الأمريكيون بشكل دوري عن كون الدولة الأمريكية كيان استثنائي وبأن الولايات المتحدة يحق لها ما لا يحق لغيرها بسبب خصوصيتها. وكذلك المواطن الأمريكي، يعتقد بأنه له خصوصية لأن أجداده هاجروا تاركين كل ما يملكون خلفهم، ليقوموا ببناء أرض الحرية. حتى الإسرائيليون، والعياذ بالله، يعتقدون بأنهم شعب الله المختار، وأن هويتهم وخصوصيتهم غير قابلة للمساس – وكذلك كل دولة وشعب في العالم.

الخصوصية في نهاية المطاف ليست عيبا، حيث أن كل شعب في العالم له خصوصية تميزه. التحدي يأتي عندما يضع الشعب الخصوصية فوق كل شيء، وخصوصا عندما تتقدم أهميتها على التنمية. رأينا في الأسابيع الماضية، على سبيل المثال، الفوضى التي سببها الحديث عن خصوصية وكرامة مصر، والدوامة التي دخل فيها بعض المصريين في الدفاع عن مهرب مخدرات. نرى كذلك ما وصلت إليه سوريا  من انحدار في مستوى المعيشة وإبادة غير طبيعية، لأن بشار الأسد قدس خصوصية سوريا على أنها دولة مقاومة وقومية، مسوفا التنمية والإصلاح. كذلك، نرى التأخر الذي تعانيه إيران لأن رئيسها يلعب على وتر الخصوصية الفارسية، مما قاده إلى الغطرسة الدولية وعدم الالتفات للتنمية الداخلية وتطور الخدمات.

 لنا في اليابان مثالا جيدا كون الشعب والدولة تحترم العادات والتقاليد والخصوصية في المأكل والمشرب والملبس، وحتى في العادات العائلية. لكن هذه الخصوصية تأتي مكملة للمشروع التنموي، ولا تعلو عليه. على سبيل المثال، في التاريخ الياباني، وبسبب الجيوغرافيا، كان من أهم عوامل الخصوصية اليابانية هو النظر للأجانب على أنهم دخلاء ومصدر تهديد ضد حس الجماعة والوحدة الوطنية. لكن ما أن جاءت متطلبات التنمية بضرورة وجود رأس المال الأجنبي وتشجيع السياحة واستقطاب المواهب والخبرات من جميع أنحاء العالم، وعت اليابان حكومة، والأهم شعبا، بأن التنمية تأتي أولا، وأن العوائق المتوارثة بسبب الخصوصية يجب أن تتكيف مع هذا التوجه. وبذلك نجحت اليابان في أن تكون عاصمة حيوية ورائدة ومضيافة على مستوى العالم.

إذا استمر الشعب السعودي في تقديس خصوصيته فإننا سندفع ثمنا باهظا لا يمكن الاستهانة به. الخصوصية على العين وعلى الرأس، لكن شعب يؤخر ويسوف بعذر الخصوصية هو شعب ينظر للوراء ولا يتقدم. التنمية هي ما سيدفع بالخصوصية السعودية الحقيقية إلى الأمام ويزيد من التمسك فيها. نجح الشعب السعودي، سابقا، في التأقلم مع تعليم المرأة، والذي كان يعتبر تهديدا للخصوصية في ذلك الوقت، واليوم يوجد في السعودية خصوصيات قد تعرقل مسيرة التنمية، وعلينا كشعب أن نراجعها ونقيمها ثم نكيفها حتى نتمكن من الصعود إلى العالم الأول.

Permanent link to this article: http://www.aziztarabzoni.com/archives/256

May 09

مصر والكرامة..

الكرامة، أعتبرها شخصيا، أهم حقوق الإنسان. منذ بدأ التكوين، قامت حروب وسقطت إمبراطوريات من أجل الكرامة، خصوصا كرامة رأس الدولة وكيانها. ومع بدء التحول الديمقراطي في الغرب، أصبح مفهوم الكرامة لا يقتصر على رأس الدولة ومؤسساتها الرسمية، ولكن أصبحت كرامة كل فرد مواطن محل اهتمام ونظر من الدولة.

الولايات المتحدة الأمريكية تنتفض عندما يختطف أحد مواطنيها في إيران، وكندا تتأهب ديبلوماسيا إذا كان أحد مواطنيها مهانا في مكان آخر. وأظن أن العذر المعلن لغزو صدام حسين للكويت كان بأن امرأة عراقية أهينت وتم التعدي على كرامتها – هكذا قال. فالكرامة ليست شيئا جديدا وليس لغزا اكتشف في مصر بعد قضية أحمد الجيزاوي الموقوف في جدة.

خلال الأسبوع، تفرجت على الكثير من البرامج المصرية التي تناولت قضية المذكور. بعض البرامج لم أسمع عنها قبل هذه الحادثة، وبعضها برامج محترمة تحدث فيها مسؤولون وإعلاميون بارزون مثل عمرو أديب ومحمود سعد وغيرهم. لندع جنبا تهجمهم غير المبرر على المملكة وشعبها، ونركز على تفسيرهم للقضية بأنها تعدي على كرامة مواطن مصري.

كان كل الحديث مركزا على كرامة مصر وكرامة المواطن المصري. لكن العجيب في الموضوع، هو تعريف الكرامة لدى هؤلاء. على سبيل المثال، تحدث رئيس لجنة الشؤون العربية في مجلس الشعب المصري على برنامج محمود سعد بأنه يريد مصر قوية لا تمد يدها إلى أحد، وبأن اعتذار الحكومة المصرية عن الشغب الذي حصل أمام السفارة فيه انتقاص من كرامة مصر. من هذا الكلام، المعونات الدولية والمساعدات تهين الكرامة، والاعتذار عن الخطأ الواضح كذلك يهين الكرامة.

في لقاء سابق للسفير السعودي في القاهرة أحمد قطان مع أحد البرامج، سألته المذيعة عن سبب زيارة رئيس الوزراء المصري السابق عصام شرف لتناول الإفطار الرمضاني في السفارة السعودية، قائلة بأنه عيب على رئيس الوزراء الحضور إلى حفل في سفارة أخرى. عندما تحدث السفير قطان في أحد البرنامج هذا الأسبوع عن موقف السعودية من مصر بعد الثورة والمساعدات التي قدمتها، عادت المذيعة نفسها مرات عدة وهي تقول بأن مصر هي الدولة الرائدة وأن السعودية هي المستفيدة من هذه العلاقة. أصبح هناك حساسية مفرطة في التعامل مع أي شأن دولي في داخل مصر. إفطار رمضاني أصبح يقلل من مكانتها، والمساعدات أصبحت مرفوضة، وأخيرا مهرب مخدرات يتم اعتقاله هو بمثابة التعدي على كرامة مصر.

كرامة كل إنسان مهمة جدا، وكرامة المواطن المصري مهمة جدا. لكن الانعزال الذي قد تقود إليه “عزة النفس” وعدم تقبل المساعدات الطبيعية جدا، والفوضى التي قد يقود إليها الدفاع عن كرامة المجرمين سيشكل خطرا حقيقيا على مصر في هذا الوقت. كرامة مصر لا تهز بمساعدات من دولة شقيقة مثل السعودية، أو من حادثة مثل قضية المذكور.

التنمية هي ما يصون الكرامة، والسعي وراء الكرامة من دون الاهتمام بالتنمية وهم وزيف وشعارات لن تؤدي إلا إلى العزلة والتشنج غير اللازم.

Permanent link to this article: http://www.aziztarabzoni.com/archives/253

May 09

الحقوق أولا، والدستور ثانيا

أعلن المشير الطنطاوي بأنه لا انتخابات في مصر قبل الانتهاء من وضع الدستور. لا شك، الدستور مهم جدا: فهو يحدد صلاحيات الرئيس ومجلس النواب وشكل الدولة الجديدة في مصر. لكن الدستور ليس هو الأهم اليوم، ولا الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، ولا هوية الدولة الإسلامية أو العربية، ولا موقفها من إسرائيل.

شكل الدولة لن يرسم أهم ملامح “مصر الجديدة”، وإنما الأهم هو شكل المواطن. بمعنى أن الخطوة المطلوبة هي كتابة بيان وطني حول حقوق الأفراد في الدولة الجديدة، ماذا تعني حريته وكيف يمارسها. ففي خضم التركيز على شكل الدولة وصلاحياتها، فقدت الحلقة الأهم وهو شكل المواطن وحقوقه والتي يجب أن تكون سابقة ويبنى عليها الدستور.

لنأخذ فرنسا على سبيل المثال: تعيش اليوم فرنسا الديمقراطية في عهد دستورها الخامس. فكيف بديمقراطية أن تعيش بدستور متغير؟ في فرنسا، الوثيقة الأساسية للبلاد ليست دستورها، وإنما بيان حقوق الإنسان والمواطن الذي صدر وسط الثورة الفرنسية في عام 1789. بيان الحقوق ليس وثيقة تشكل الدولة، وإنما بيان يحدد حقوق وحريات الفرد في الدولة. لا تتحدث الوثيقة عن صلاحيات الرئيس، وإنما صلاحيات المواطن. على سبيل المثال، المادة الأولى من البيان، الذي يحتوي على 17 مادة، تقول بأن الناس يولدون أحرارا ويستمرون متساوين في الحقوق الأساسية.

تنص المادة الثانية على أن الهدف من جميع المؤسسات السياسية هو حفظ حقوق الفرد الأساسية وهي الحرية، التملك، الأمن، والحماية من الاضطهاد. وإلى آخر البيان، تشرح المواد حقوق الفرد في الدولة الجديدة وكيفية العيش في حرية وممارستها.

في الولايات المتحدة الأمريكية، وبجانب الدستور، كان من المهم أن يصدر بيان حول الحقوق. ففي 1789، بعد عامين من المصادقة على الدستور، قام الكونغرس بكتابة بيان الحقوق (أقر في 1791)، والذي ركز بشكل أساسي على حقوق الفرد في ظل الدستور والدولة الجديدة. على سبيل المثال، تنص المادة الأولى بأنه لا يحق للكونغرس إصدار قانون يتعدى على الحريات الدينية أو حرية التعبير والإعلام. وإلى آخر البيان، تنص المواد على حقوق الفرد في حالة الحرب، المحاكمة، وحريته في ممتلكاته.

هذه الوثائق هي الأهم في الدول الديمقراطية، حيث أنها تقنن مفهوم الحرية بشكل مكتوب وواضح. في بريطانيا الملكية، لا يوجد وثيقة واحدة تسمى بالدستور، وتبنى معظم القرارات على الماجنا كارتا والتي صدرت في عام 1215 والتي أعطت للفرد حريات كانت مسلوبة. أحد أهم ما ورد في هذه الوثيقة هو: بأن ليس من حق أحد أن يصادر العدل أو أن يسجن شخصا حرا من دون محاكمة سليمة.

الأهم في العالم العربي هو ليس الدستور، وإنما بيانات الحقوق. على الفرد أن يفهم كيف تترجم حريته إلى ممارسات، ما هي حقوق الفرد في حريته، وما هي الحدود التي تحكم الدستور. عملية كتابة البيان يجب أن تكون مثالية شمولية، ولا تقتصر على صانعي الدستور. وفي كل الأحوال، يجب أن توضح هذه الوثيقة حدود حرية الفرد، وحدود سلطة الدستور.

المواطن العربي عليه أن يعرف معنى الحرية قبل معنى الدولة. الحقوق أولا، والدستور ثانيا.

Permanent link to this article: http://www.aziztarabzoni.com/archives/251

Older posts «