الشعب السعودي له خصوصية. ما هي تحديدا؟ لا أدري. أعتقد إجمالا، ترتكز هذه الخصوصية على احتضان الحرمين الشريفين، التمسك بالدين الإسلامي ممزوجا ببعض العادات والتقاليد، بالإضافة إلى الوحدة الوطنية والبترول. فهي خصوصية ثقافية/اقتصادية نوعا ما تشكل النسيج الوطني والهوية السعودية. السؤال المهم: هل السعودية هي الدولة الوحيدة في العالم التي لديها خصوصية؟
أسأل لأن الخصوصية السعودية، بشكل معلن أو غير معلن، أضحت شماعة للكثير من التسويف والتعطيل، في الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية والتطور الاجتماعي. على سبيل المثال، نتحدث عن الخصوصية السعودية عندما تتكلم إحداهن عن قيادة المرأة للسيارة، وكذلك، نتحدث عن الخصوصية السعودية عندما نتحدث عن انتخابات بلدية، وأخيرا نتحدث عنها عندما يأتي موضوع اقتصادي يأتي من خلاله بعض رؤوس الأموال الأجنبية. باختصار، الخصوصية السعودية تحاصرنا من كل جهة.
نعود إلى السؤال، هل السعودية هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمتلك شعبها خصوصية؟ باختصار، لأ. على سبيل المثال، الياباني يعتقد بأن له خصوصية كونه كان ضحية أول هجوم نووي وناضل وكافح من أجل بناء دولته وكان له تاريخ عريق حكم فيه الكثير من الدول التي تجاوره. في أمريكا، يتحدث الساسة الأمريكيون بشكل دوري عن كون الدولة الأمريكية كيان استثنائي وبأن الولايات المتحدة يحق لها ما لا يحق لغيرها بسبب خصوصيتها. وكذلك المواطن الأمريكي، يعتقد بأنه له خصوصية لأن أجداده هاجروا تاركين كل ما يملكون خلفهم، ليقوموا ببناء أرض الحرية. حتى الإسرائيليون، والعياذ بالله، يعتقدون بأنهم شعب الله المختار، وأن هويتهم وخصوصيتهم غير قابلة للمساس – وكذلك كل دولة وشعب في العالم.
الخصوصية في نهاية المطاف ليست عيبا، حيث أن كل شعب في العالم له خصوصية تميزه. التحدي يأتي عندما يضع الشعب الخصوصية فوق كل شيء، وخصوصا عندما تتقدم أهميتها على التنمية. رأينا في الأسابيع الماضية، على سبيل المثال، الفوضى التي سببها الحديث عن خصوصية وكرامة مصر، والدوامة التي دخل فيها بعض المصريين في الدفاع عن مهرب مخدرات. نرى كذلك ما وصلت إليه سوريا من انحدار في مستوى المعيشة وإبادة غير طبيعية، لأن بشار الأسد قدس خصوصية سوريا على أنها دولة مقاومة وقومية، مسوفا التنمية والإصلاح. كذلك، نرى التأخر الذي تعانيه إيران لأن رئيسها يلعب على وتر الخصوصية الفارسية، مما قاده إلى الغطرسة الدولية وعدم الالتفات للتنمية الداخلية وتطور الخدمات.
لنا في اليابان مثالا جيدا كون الشعب والدولة تحترم العادات والتقاليد والخصوصية في المأكل والمشرب والملبس، وحتى في العادات العائلية. لكن هذه الخصوصية تأتي مكملة للمشروع التنموي، ولا تعلو عليه. على سبيل المثال، في التاريخ الياباني، وبسبب الجيوغرافيا، كان من أهم عوامل الخصوصية اليابانية هو النظر للأجانب على أنهم دخلاء ومصدر تهديد ضد حس الجماعة والوحدة الوطنية. لكن ما أن جاءت متطلبات التنمية بضرورة وجود رأس المال الأجنبي وتشجيع السياحة واستقطاب المواهب والخبرات من جميع أنحاء العالم، وعت اليابان حكومة، والأهم شعبا، بأن التنمية تأتي أولا، وأن العوائق المتوارثة بسبب الخصوصية يجب أن تتكيف مع هذا التوجه. وبذلك نجحت اليابان في أن تكون عاصمة حيوية ورائدة ومضيافة على مستوى العالم.
إذا استمر الشعب السعودي في تقديس خصوصيته فإننا سندفع ثمنا باهظا لا يمكن الاستهانة به. الخصوصية على العين وعلى الرأس، لكن شعب يؤخر ويسوف بعذر الخصوصية هو شعب ينظر للوراء ولا يتقدم. التنمية هي ما سيدفع بالخصوصية السعودية الحقيقية إلى الأمام ويزيد من التمسك فيها. نجح الشعب السعودي، سابقا، في التأقلم مع تعليم المرأة، والذي كان يعتبر تهديدا للخصوصية في ذلك الوقت، واليوم يوجد في السعودية خصوصيات قد تعرقل مسيرة التنمية، وعلينا كشعب أن نراجعها ونقيمها ثم نكيفها حتى نتمكن من الصعود إلى العالم الأول.